عبد الوهاب الشعراني

69

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

يستمطرون منهم الرزق ، فإن أعطوهم شيئا من سحت الدنيا خرس لسانهم وذهب سمعهم وبصرهم ، وصاروا خرسا صما عميا ، فوجودهم كالعدم وإن لم يعطوهم فهم يوافقونهم في أغراضهم ضرورة تمييلا لخاطرهم ليعطوهم كما أعطوا غيرهم ، ويصيروا كذلك خرسا صما عميا ، فهذا هو الباب الذي دخل منه النقص في الدين ، ولو كان العلماء كلهم زاهدين ما دخل في الدين نقص . فجاهد يا أخي نفسك على يد شيخ ليخرجك من رعونات النفوس حتى لا يبقى في نفسك شهوة ولا حرص على شيء من الدنيا ، وأمر أصحابك بالمجاهدة على يد شيخ كذلك ثم تراصوا في الصف بعد ذلك ، وإن لم يتيسر ذلك فقفوا في الصف واستغفروا اللّه من كل ذنب يعلمه اللّه وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى الإمام أحمد والطبراني وإسناد أحمد لا بأس به مرفوعا : « سوّوا صفوفكم ، وحاذوا بين مناكبكم ، ولينوا في أيدي إخوانكم وسدّوا الخلل فإنّ الشّيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الخذف » يعني أولاد الضأن الصغار . وروى الإمام أحمد بإسناد جيد مرفوعا : « إنّ اللّه وملائكته يصلّون على الصّفّ الأوّل أو الصّفوف الأوّل » . وروى ابن خزيمة في « صحيحه » أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأتي ناحية الصف ويسوّي بين صدور القوم ومناكبهم ويقول : « لا تختلفوا فتختلف قلوبكم » . وفي رواية الشيخين : « فإنّ تسوية الصّفّ من تمام الصّلاة » . وفي رواية للبخاري : « من إقامة الصّلاة » يعني التي أمرنا اللّه بها في قوله : « أقيموا الصّلاة » . وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحيهما » مرفوعا : « رصّوا صفوفكم ، وقاربوا بينها وحاذوا بين الأعناق ، فوالّذي نفسي بيده إنّي لأرى الشّيطان يدخل من خلل الصّفّ كأنّها الخذف » . والخذف : هو ما يكون بين الاثنين من الاتساع عند عدم التراص . وروى الطبراني مرفوعا : « استووا تستو قلوبكم ، وتماسّوا ترحموا » . ومعنى تماسوا : ازدحموا في الصلاة قاله شريح ، وقال غيره تماسوا تواصلوا . وروى الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم مرفوعا : « ومن وصل صفّا وصله اللّه ، ومن قطع صفّا قطعه اللّه » . وروى الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما مرفوعا : « إنّ اللّه وملائكته يصلّون على